عام

ابويا حسبها غلط حكايات صافي هاني

أبويا حدف جواب قبولي في الكلية على التربيزة، ودفع لأختي التوأم على طول، وبصلي وقال: “دي اللي تستاهل يتدفع فيها قرشين وتستثمر في تعليمها.. إنما أنتِ لورق الشجر”. بعد أربع سنين، دخل أبويا وأمي حفلة التخرج ومعاهم ورد، وقعدوا بكل فخر في أول صف، ومكنش عندهم أي فكرة مين الاسم اللي هيرج الاستاد كله بعد شوية.​في الليلة اللي أبويا قال عليا فيها إني “خسارة فيا الفلوس”، أختي التوأم مكنتش سايعاها الفرحة.

 

كان قاعد على ترابيزة الصالون، في إيد جواب قبول “منى” في جامعة النيل الخاصة، وفي الإيد التانية جواب قبولي في جامعة بنها الحكومية، وكان بيقارن بينهم زي اللي بيحسب حسبة دكانة مش مستقبل بناته.

قال بلهجة قاطعة: “احنا هندفع لمنى في جامعة النيل.. مصاريف، وسكن، وكل حاجة”.

منى شهقت من الفرحة.

وأمي على طول دخلت في رغي وزغاريط وتخطيط لفرش أوضة السكن واللبس الجديد.

بعدين حدف المظروف بتاعي ناحيتي.

وقال: “مش هندفع ليكي في بنها.. أختك ليها مستقبل وشاطرة، إنما أنتِ على قدك، وجامعة النيل هي اللي تستاهل الاستثمار”.

بصيت في الجواب ودموعي :

“طب وأنا هعمل إيه؟”

شبك صوابعه في بعض وقال ببرود:

“اتصرفي.. أنتِ طول عمرك بتتصرفي”.

بس كده.

لا كلمة طيبة.

لا جبر خاطر.

لا تردد حتى.

مجرد حكم نهائي نزل عليا في صالة بيتنا في الهرم، وأنا قاعدة ماسكة مستقبلي اللي هما قرروا إنه ميسواش مليم.

​في الليلة دي، فتحت اللاب توب القديم اللي منى رمت هولي من سنين، وقعدت أدور على: منح دراسية كاملة للطلبة المغتربين والاعتماد على النفس.

بعد تلات شهور، كنت جارة شنطتين  ورايحة على أوضة إيجار بسيطة في طالبات قريبة من جامعة بنها، وبدأت أبني حياة محدش فكر يخططها ليا.

الأوضة يا دوب كانت شايلة مرتبة ومكتب صغير.

كل يوم الساعة 4:30 الفجر، كنت أصحى عشان شفت الشغل في كافيه “صباح الخير”.

بعدين أطلع على المحاضرات.

بعدين مذاكرة.

ويومين الإجازة الجمعة والسبت كنت بشتغلهم في تنظيف المكاتب والشركات.

عرفت بالظبط يعني إيه تعيش وتكفي يومك بـ كيس أندومي وشوية كرامة وعناد.

​وجت أيام العيد الكبير.

المدينة والجامعة فضيوا وكل البنات سافروا لأهاليهم.

رغم كل حاجة، قلت أتصل بالبيت.

“ماما، ممكن أكلم بابا؟”

سمعت صوته في الخلفية بيقولها تقفل، قبل ما أمي ترد عليا:

“مش فاضي يا بنتي، تعبان ونايم”.

بالليل في نفس اليوم، منى نزلت صورة للعيلة وهي بتعيد.

سفرة مليانة رقاق ولحمة، ولمة دافية.

أبويا وأمي بيضحكوا جمبها.

السفرة كانت محطوطة لتلات أفراد بس.

المنظر ده كان المفروض يكسرني.

بس بالعكس، ده قساني وخلاني أركز أكتر.

​في الترم التاني، كنت هقع من طولي وأنا واقفة في شفت الفجر من التعب.

بعدها بيومين، دكتور مادة الاقتصاد بيوزع ورق الامتحانات.

الورقة بتاعتي كان مكتوب عليها امتياز +A بالحبر الأحمر.

وتحتها خط:

“تعاليلي المكتب بعد المحاضرة”.

خفت وافتكرت نفسي عاملة مشكلة.

الدكتور “رأفت بيل” استنى لحد ما المدرج فضي تماماً، وخبط بإيده على ورقتي.

وقال: “ده مش مجرد حل طالبة عادية.. مين اللي علمك تخافي وتفكري في الصغير بس؟”

ضحكت بمرارة وقلت:

“أهلي”.

وحكيت له كل حاجة.. الشغل، الإيجار، السحلة اللي أنا فيها، وكلمة أبويا بالظبط وهو بيرميني: “مش تستاهلي الاستثمار”.

الدكتور رأفت سحب ملف كبير من مكتبه.

وقال: “دي منحة زمالة ‘هاوثورن’ العالمية.. عشرين طالب بس على مستوى الجمهورية اللي بياخدوها.. تكفل كامل بالمصاريف، وسكن، ومرتب شهري كمان”.

رجعت الملف لورا وقلت:

“دي مش بتاعة ناس زيي يا دكتور”.

قرب الملف مني تاني وقال:

“لأ، دي معمولة بالظبط للناس اللي زيك”.

​كتبت طلب التقديم والطلبات قبل شفتات الفجر.

وراجعت المقالات بعد نص الليل.

وكنت بسمّع لنفسي أسئلة المقابلة الشخصية في الميكروباص.

وقعت من طولي مرة في الكافيه من الهبوط.

وكان فاضل معايا 150 جنيه بس في جيبي بعد ما دفعت الإيجار في أسبوع من الأسابيع.

ورغم كل ده، وصلت للتصفيات النهائية.

وبعدين.. كسبت المنحة.

​فتحت الإيميل بين المحاضرات وإيدي بترتعش، بس المرفقات اللي في الإيميل خطفت نفسي..

طلبة منحة هاوثورن من حقهم ينقلوا لجامعة شريكة في السنة الأخيرة ليهم.. وجامعة النيل الخاصة كانت في أول القائمة!

نفس الجامعة اللي أبويا قرر إني متستاهلهاش.

السابق1 من 4
تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى