
دي .. اللحمة دي !
أنا اتسمرت في مكاني، وعقلي وقف عن التفكير
دي مامتك اللي بعتاها معاكي!
زعقت رانيا وهي بتعيط وبتشد في شعرها من
اسمعني يا أحمد! أنت ناسي إني شغالة فني معمل تحاليل بيطرية وفي وزارة الزراعة؟ أنا لما كنت عند أمي في فترة الولادة الشهر اللي فات، حصلت في المزرعة بتاعة أمي وبتاعت الجيران.. المواشي والبهائم بدأت ورا بعض فجأة وبدون أي مقدمات ولا أعراض واضحة! حيوانات كاملة وصحتها بومب تقع في ثواني! الدكاترة والمفتشين احتاروا، وأمي كانت هتيجي لها جلطة من خراب البيوت.. فانا قولت لازم أتصرف.
مسحت دموعها وهي بتتنفس بصعوبة وكملت
أنا وزملائي في المعمل أخدنا عينات، وال 16 كيلو دول بالذات، أنا اللي قطعتهم من كذا من الحيوانات اللي فجأة دي.. أخدتهم عشان أدخلهم المعمل المركزي بتاع الوزارة الأسبوع الجاي لما أرجع من الإجازة عشان نعمل تحليل أنسجة دقيق جداً ونعرف إيه الفيروس أو ، ولحد دلوقتي بنشك في سلالة نادرة أو حاد بينتقل للبشر فوراً!
أنا ركبي خبطت في بعض، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا
يا نهار أسود.. يا نهار أسود! وطالما هي كده مجمداها في الفريزر ليه وعامله حسابك تاخديها المعمل؟!
قالتلي وهي بتصرخ
لأني مكنتش قادرة
أشيلهم في معمل التحاليل وأنا لسه والدة وتعبانة، قولت أخليهم في الفريزر عندي هنا كام يوم لحد ما أنزل الشغل.. وخفت جداً لإنك تفتكرها لحمة عادية وتطبخ منها أو تدّي حد منها، فكتبت الورقة دي وحطيتها جوه الكيس وقولت محدش يلمسها غير بعد أسبوع لغاية ما أكون أنا نزلت الشغل وأخدتها بنفسي للمشرحة والمعمل وأفهمك القصة.. مكنتش أتخيل أبدًا إن أبوك هيدخل يتسحب وياخدها من وراك!! أبوك وإخواتك في خطر يا أحمد.. اللحمة دي !!
النزول إلى
الكلام نزل عليا زي . مسمعتش باقي كلام رانيا، فتحت باب الشقة وطلعت أجري على السلم زي المجنون، بنزل درجات السلم تلاتة تلاتة وأنا بصرخ ب أعلى صوتي يا بابا!! يا تامر!! يا أمي!!
وصلت لباب شقة أبويا في الدور الأرضي، وبدأت أرزع ب إيديا ورجليا على الباب بكل قوتي. مفيش ثواني وسمعت من جوه أصوات غريبة
وصلت لباب شقة أبويا في الدور الأرضي، وبدأت أرزع ب إيديا ورجليا على الباب بكل قوتي. مفيش ثواني وسمعت من جوه أصوات غريبة.. مش أصوات ناس صاحية ومرتاحة.. دي كانت أصوات أنين، وصريخ مكتوم، وصوت تفرير رهيب!
الباب مكنش مقفول بالترباس، زقيته بكل قوتي واتفتح معايا. أول ما دخلت الصالة، شوفت منظر عمري ما هنساه في حياتي.. منظر يوقف !
أبويا الحاج عبد العزيز كان واقع في الأرض جمب الكنبة،، ووشه بقى تماماً وهو بيصرخ بصوت مبحوح آآآه.. بطني.. بطني بتتقطع يا أحمد.. الحقني يا ابني بطني !!
وعلى الناحية التانية، أخويا تامر اللي كان من شوية بيبتسم ويديني الحلة، كان ساند راسه على الحيطة عشان يتنفس، ، وجسمه كله بيتنفض زي اللي لابساه كهربا. وأمي جوه في المطبخ نايمة على الأرض وبتئن بصوت واطي وضعيف جداً كأنها .
اللحمة الملعونة كانت أسرع مما نتخيل، والفيروسات اللي في أنسجة الحيوانات تفاعلت مع وطلعت على أجهزتهم الهضمية وعملت لهم !
سباق مع
في ثواني، كانت رانيا حصلتني وهي شايلة بنتنا، ووشها مليان رعب بس ثباتها ك بنت معمل ودكتورة خلاها تتصرف بسرعة. صرخت فيا
أحمد!! مفيش وقت للبكاء! كلم الإسعاف فوراً وقولهم حالة جماعي واشتباه عشان يجيبوا معاهم المحاليل ومضادات وبسرعة هيروشولهم مية بملح وخليهم يرجعوا كل اللي في بطنهم مفيش دقيقة تضيع!
بقيت أتحرك زي الروبوت من كتر .. كلمت الإسعاف وأنا بصيح وأبكي في التليفون، وبقيت أساعد رانيا إننا نخليهم يطردوا كل الأكل اللي أكلوه، بس الحالة كانت بتتدهور بسرعة البرق. أبويا بدأ
يفقد الوعي وعينيه تقلب لفوق، وتامر أخويا بدأ يجيله تشنجات.
بعد عشر دقائق كانت أطول من سنين عمري، وصلت عربيتين إسعاف، والمسعفين دخلوا بالنقالات والكمامات بعد ما رانيا بلغتهم بنوع الاشتباه. شالوا أبويا وأمي وتامر، وخدوهم على المستشفى المركزي، ودخلوا فوراً العناية المركزة وقسم ، وتم عمل غسيل معدة عاجل وضخ مضادات حيوية قوية جداً في .
النهاية والعبرة
قعدنا في طرقة المستشفى أنا ورانيا يومين كاملين على أعصابنا، بين الحياة ، الدكاترة قالوا لنا لو كانت مرت ساعة كمان من غير نقلهم المستشفى، كان زمانهم كلهم في عداد بسبب سرعة انتشار البكتيريا في .
الحمد لله، ربنا كتب لهم عمر جديد بعد وتعب قعدوا فيه في المستشفى أكتر من أسبوعين تحت الملاحظة والعزل، لحد ما اتأكدوا إن جسمهم اتخلص من .
أبويا الحاج عبد العزيز خرج من التجربة دي شخص تاني خالص. لما رجع البيت وبص في وشي وفي وش رانيا، عينيه دمعت، ومسك إيد رانيا وباسها وقالها سامحيني
يا بنتي.. أنا اللي جهلي وطمعي وعنادي كانوا هيضيعوا بيتي وعيالي.. أنا قولت عليكي موسوسة ومستخسرة، وطلعتي أنتي اللي أنقذتي حياتنا بعد ربنا.
ومن يومها، اتعلمنا كلنا درس عمري ما هنساه إن الكلمة والنصيحة من صاحب الشأن لازم تحترم، وإن الورقة الصغيرة اللي بنستهتر بيها، ممكن تكون هي الخط
الفاصل بين الحياة.. .




